الشيخ الطبرسي

511

تفسير جوامع الجامع

الفِعْلِ في ( المُصَّدِّقِينَ ) لأنَّ اللاَّمَ بمعنى " الَّذين " ، واسمُ الفَاعِلِ بمعنى : " اصَّدَّقُوا " أو " صَدَّقُوا " . كأنَّه قيلَ : إنَّ الَّذينَ اصَّدَّقُوا وَأقْرضُوا ، وقُرِئ : ( يُضَعَفُ ) و " يُضَعِّفُ " ( 1 ) . ( وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ ) هُم عِنْدَ اللهِ بمَنْزلةِ الصِّدِّيقينَ والشُّهَدَاءِ ، وهم الَّذينَ سَبَقُوا ( 2 ) إلى التَّصديقِ ، وَرَسَخَتْ أَقْدَامُهُم فيهِ ، والَّذين استشهدُوا في سَبيلِ اللهِ ( لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ ) أي : لَهُم مثْلُ أَجْرِ الصِّدِّيقينَ والشُّهَدَاءِ ومِثْلُ نُورِهِم . وعن الصَّادقِ ( عليه السلام ) : إنَّ المؤْمنَ شَهيدٌ ، وقَرَأَ هذه الآية . ويجوزُ أَن يكُونَ ( وَالشُّهَدَآءُ ) مبتَدَأٌ و ( لَهُمْ أَجْرُهُمْ ) خَبَرُهُ . ثمَّ زَهَّدَ سبحانَهُ المؤْمنينَ في الدُّنْيا فَقَالَ : لَيْسَتِ ( الْحَيَوةُ الدُّنْيَا ) إلاَّ مُحَقَّرَات من الأُمُورِ ، وهي اللَّعِبُ واللَّهْوُ والزِّينَةُ والتَّفَاخُرُ وَالتَّكَاثُر ، ثمَّ شَبَّهَ حَالَها وَسُرْعَةَ انْقِضَائِها وَقِلَّةَ جَدْوَاهَا بِنَبَات أَنْبَتَهُ الغَيْثُ و ( أَعْجَبَ ) الْكُفَّارَ وَهُمُ الزُّرَّاعُ أو الكافِرُونَ نِعْمَةَ اللهِ ، ( ثُمَّ يَهِيجُ ) وَيَصْفَرُّ ويَصيرُ ( حُطَماً ) ، ( وَفِي الأْخِرَةِ ) أُمُورٌ عِظَامٌ وهي : العَذَابُ الشَّديدُ ، وَمَغْفِرَةُ اللهِ ، وَرِضْوَانُهُ . ( سَابِقُواْ ) أي : بَادِرُوا مُبَادَرَةَ السَّابقينَ لأقْرانِهِم في المِضْمَارِ ( إلَى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ ) مُنْجِيَة من العَذَابِ الشَّديدِ ، وإلى ( جَنَّة عَرْضُهَا كَعَرْضِ ) السَّبْعِ السَّمواتِ وسَبْعِ الأَرْضِينَ . وَذَكَرَ العَرْضَ دُونَ الطُّولِ لأنَّ كُلَّ ما لَهُ عَرْضٌ وطُولٌ فإنَّ عَرْضَهُ أَقَلُّ من طُولِهِ ، فإذا كانَ العَرْضُ مِثْلَ السَّمواتِ والأَرْضِ فَطُولُها لا يَعْلَمُهُ إِلاَّ الله . وعنِ الحَسَنِ : أنَّ اللهَ يُفْني الجنَّةَ ثمَّ يُعيدُها على ما وَصَفَهُ ، فلذلكَ صَحَّ وَصْفُها بأَنَّ عَرْضَها كَعَرْضِ السَّماءِ والأَرْضِ ( 3 ) ( أُعِدَّت لِلَّذِينَ ءَامَنُوا باللهِ وَرُسُلِهِ ) أي :

--> ( 1 ) هي قراءة ابن كثير وحده . راجع المصدر نفسه : ص 184 . ( 2 ) في بعض النسخ : " صدقوا " . ( 3 ) حكاه عنه الشيخ الطوسي في التبيان : ج 9 ص 532 .